هناك شخصيات لا تحتاج إلى منصب حتى تعود إلى المشهد،يكفي أن تتحدث لدقائق،حتى تستيقظ ذاكرة أمة بأكملها.. هكذا كان ظهور الدكتور يوسف بطرس غالي الذي لم يفتح باب الحديث عن رجل بقدر ما أعاد فتح ملف مرحلة كاملة من التاريخ الاقتصادي المصري،بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات،ومن مؤيدين ومعارضين.
فالرجل لم يكن وزيراً عادياً بل أحد أبرز صناع السياسة المالية والاقتصادية في مصر خلال العقد الأول من الألفية الجديدة،وارتبط اسمه ببرنامج إصلاح اقتصادي ما زال حتى اليوم محل نقاش بين الخبراء وصناع القرار.. لذلك،لم يكن مستغرباً أن يتحول ظهوره الإعلامي إلى “ترند” وأن تعود معه الأسئلة القديمة حول تلك المرحلة.
لكن اللافت أن يوسف بطرس غالي رغم الجدل السياسي والاقتصادي الذي أحاط بتجربته،احتفظ في ذاكرة كثيرين بصورة مختلفة عن شخصيته.. فقد اشتهر عنه في بعض مراحل عمله تفضيله استخدام مترو الأنفاق في تنقلاته وهو ما رآه البعض انعكاساً لبساطة أسلوب حياته وانضباطه الشخصي.وهي صورة تؤكد أن الشخصيات العامة قد تحمل أوجهاً متعددة وأن الاختلاف حول السياسات لا يلغي بالضرورة السمات الشخصية الإيجابية.
غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بشخص يوسف بطرس غالي وإنما بكيفية قراءة التجارب الوطنية.. فالدول لا تبني على تمجيد الأشخاص كما لا تدار بمنطق شيطنتهم،وإنما على تقييم السياسات وفق نتائجها،وما حققته من مصالح للدولة والمجتمع.
لقد شهدت مصر خلال تلك المرحلة إصلاحات اقتصادية أسهمت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وجذب استثمارات إلا أنها واجهت في الوقت ذاته انتقادات تتعلق بمدى انعكاس تلك المؤشرات على العدالة الاجتماعية ومستوى معيشة المواطن، وتوزيع ثمار التنمية.ولهذا،فإن أي تقييم منصف لتلك التجربة يجب أن يتجاوز الانحياز،وأن يضع الإنجازات والإخفاقات في ميزان واحد.
أما اليوم، فإن الدولة المصرية تواجه واقعاً مختلفاً تماماً.. فالتحديات الاقتصادية لم تعد داخلية فقط بل أصبحت مرتبطة بمتغيرات إقليمية ودولية متسارعة،من اضطرابات سلاسل الإمداد إلى الأزمات الجيوسياسية وصولاً إلى الضغوط التضخمية العالمية.وفي ظل هذه البيئة المعقدة أصبحت السياسة الاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي،وأصبح الحفاظ على التوازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية أحد أصعب الاختبارات أمام أي حكومة.
ومن هنا فإن قيمة الجدل الدائر حول يوسف بطرس غالي لا تكمن في استدعاء الماضي وإنما في استحضار دروسه.. فالدولة القوية هي التي تبني مؤسسات قادرة على الاستفادة من الخبرات دون أن ترتهن للأشخاص وتراجع تجاربها بشجاعة دون أن تقع أسيرة للاستقطاب أو الانفعال.
وربما أعاد ظهور يوسف بطرس غالي الجدل حول رجل لكنه في الحقيقة أعاد طرح سؤال أكبر وهو كيف تقيم تجارب الدول؟ هل بمنطق الأشخاص أم بمنطق النتائج؟ وهل يكفي أن نختلف حول من صنع القرار أم أن الأهم هو أن نتعلم من التجربة بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات؟
إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تعيش أسيرة الماضي ولا تلك التي تمحوه من ذاكرتها بل التي تمتلك شجاعة مراجعته بعين منصفة،فتحتفظ بما يصلح للمستقبل وتتجاوز ما أثبتت التجربة عدم جدواه.. فالأشخاص يرحلون أما الدروس فتبقى، والدولة القوية هي التي تجعل من كل تجربة مهما كانت مثاراً للجدل لبنة في بناء مستقبل أكثر وعياً واستقراراً.
ولذلك فإن القضية ليست في عودة يوسف بطرس غالي إلى المشهد وإنما في عودة السؤال الذي لم يفقد أهميته يوماً:كيف نصنع سياسات اقتصادية تحقق النمو وتحافظ في الوقت ذاته على العدالة الاجتماعية وثقة المواطن؟ فهذا هو التحدي الحقيقي الذي سيبقى مطروحاً مهما تغيرت الوجوه،لأن الأوطان تبني بالمؤسسات،وتزدهر بحسن إدارة التجارب، لا بالأشخاص وحدهم.



