لم تعد معركة الاقتصاد المصري تقتصر على جذب مستثمر جديد أو افتتاح مصنع إضافي، بل أصبحت معركة متكاملة تبدأ بإقناع المستثمر باختيار مصر، ثم توفير الأرض والتراخيص والبنية التحتية، وصولًا إلى تشغيل خطوط الإنتاج وزيادة الصادرات.. ومن هنا تقف وزارتا الاستثمار والتجارة الخارجية، والصناعة، باعتبارهما المسؤولتين عن تنفيذ أحد أهم ملفات الدولة في المرحلة الحالية.
فالقيادة السياسية وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في رفع الصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار سنويًا، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتعزيز التصنيع المحلي.. وهي أهداف لا يمكن تحقيقها إذا عملت كل وزارة بمعزل عن الأخرى، وإنما تتطلب تكاملًا بين جذب الاستثمار من جهة، وتوفير بيئة إنتاجية قادرة على تحويل تلك الاستثمارات إلى قيمة مضافة من جهة أخرى.
وعلى مدار الـ 4 أيام ماضية، عكست تحركات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية الدكتور محمد فريد، ووزير الصناعة المهندس خالد هاشم هذا التكامل بصورة لافتة، إذ تحرك كل منهما على جبهة مختلفة، لكن بهدف واحد هو زيادة الإنتاج والتصدير وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.
ففي ملف الاستثمار، ركز محمد فريد على جذب رؤوس الأموال وربطها بالقطاعات الإنتاجية، وليس الاكتفاء بالترويج التقليدي، وشملت تحركاته لقاءات مع مستثمرين وشركات دولية، إلى جانب مباحثات مع مجموعة موانئ دبي العالمية لتطوير حلول لوجستية تسهم في خفض تكلفة نقل البضائع المصرية إلى الأسواق الأفريقية، وهو أحد المطالب الرئيسية للمصدرين المصريين.
كما أعلن الوزير، اليوم، قرب إطلاق استراتيجية جديدة للاستثمار الأجنبي المباشر، تستهدف توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات، مع التركيز على تحسين تجربة المستثمر وتسهيل الإجراءات، من خلال منصة الكيانات الاقتصادية.
ولم تقتصر التحركات على الاجتماعات، بل امتدت إلى جولات ميدانية داخل المناطق الحرة، حيث تفقد اليوم المنطقة الحرة العامة بالإسماعيلية، التي تضم 173 مشروعًا بإجمالي استثمارات يتجاوز 1.3 مليار دولار، وتوفر أكثر من 55 ألف فرصة عمل، في نموذج يعكس أهمية المناطق الحرة في جذب الصناعات التصديرية وزيادة تدفقات النقد الأجنبي.
وفي الوقت نفسه، كان وزير الصناعة يتحرك على مسار موازٍ، لكن من داخل المصانع وخطوط الإنتاج، فقد ركزت جولاته على القطاعات التي تراهن عليها الدولة لتعميق التصنيع وتقليل الاعتماد على الواردات، وفي مقدمتها الصناعات الطبية والدوائية.
وشهد اليوم افتتاح مصنع “إيبيكو 3” للمستحضرات الحيوية، الذي يمثل إضافة مهمة لقدرات مصر في تصنيع الأدوية المتطورة، كما شارك في افتتاح مصنع “سبكترم” لإنتاج وسائل التشخيص السريع، وهو أول مصنع من نوعه في مصر والمنطقة العربية، بما يدعم توطين التكنولوجيا الطبية، ويوفر منتجات كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فضلًا عن فتح آفاق جديدة للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والأفريقية.
ولا تقتصر رؤية وزارة الصناعة على قطاع الدواء فقط، إذ تضع صناعة السيارات ضمن أولوياتها، باعتبارها من الصناعات القادرة على جذب استثمارات ضخمة، وتوفير آلاف فرص العمل، وتحريك عشرات الصناعات المغذية، مثل مكونات السيارات، والصناعات المعدنية، والبلاستيكية، والإلكترونية.
ولهذا، تعمل الوزارة على جذب شركات جديدة، ولعل أخرها إعلان جنرال موتورز مصر إتمام إجراءات دخول السيارات المصنعة في أمريكا والمطابقة لمعايير السلامة الفيدرالية إلى السوق المصري، علاوة على زيادة نسب المكون المحلي، والتوسع في الصناعات المغذية، بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية لتنمية صناعة السيارات، ويعزز قدرة مصر على التحول إلى قاعدة إقليمية للإنتاج والتصدير، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
كما شملت تحركات الوزير، اليوم، جولات داخل مصانع الأغذية، والهندسية، والملابس الجاهزة، للوقوف على التحديات التي تواجه المصنعين، إلى جانب العمل على تطوير منظومة تخصيص الأراضي الصناعية، حيث أعلن عن إطلاق حزمة إجراءات جديدة لتخصيص الأراضي الصناعية في مصر تشمل أنظمة متنوعة للتخصيص، من بينها نظام ميسر للمشروعات الصغيرة حتى يتسنى للمستثمر الصغير التركيز على العمليات التصنيعية وتخفيف الأعباء والإجراءات عن كاهله.
كما أعلن عن طرح الوزارة وحدات جاهزة للتشغيل بالمجمعات الصناعية، بالإضافة إلى مبادرات قائمة لتمويل المشروعات الصناعية وخاصة المتوسطة والصغيرة، ويجري حالياً العمل على تركيز هذه المبادرات على تمويل الصناعات المغذية، إلى جانب استحداث الصناديق الاستثمارية لتمويل المشروعات الصناعية من خلال المواطنين والتي سيدخل أولها الخدمة قريباً.
ورغم اختلاف اختصاص كل وزارة، فإن المشهد خلال الأيام الماضية كشف عن تكامل واضح بين الملفين.. فوزارة الاستثمار تعمل على جذب المستثمر وتذليل العقبات أمامه، بينما تتولى وزارة الصناعة توفير البيئة الإنتاجية التي تضمن نجاح هذا الاستثمار واستدامته.. فالمستثمر لن يضخ أموالًا في سوق تفتقر إلى الأراضي المرفقة أو سلاسل الإمداد أو العمالة المؤهلة، كما أن المصنع لن يحقق النمو إذا لم يتمكن من الوصول إلى أسواق خارجية أو جذب شراكات استثمارية جديدة.



