إذا كان هناك ملف اقتصادي قادر على تغيير شكل الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة، فهو بلا شك ملف الصناعة.
فالدولة المصرية لم تعد تتحدث فقط عن تحقيق معدلات نمو أو جذب استثمارات، بل وضعت هدفًا أكثر طموحًا يتمثل في الوصول بالصادرات إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030، وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون قطاع صناعي قوي قادر على الإنتاج والتصدير والمنافسة.
وسط هذه التحديات، برز اسم المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، باعتباره أحد أكثر الوزراء حضورًا على الأرض، من خلال جولات ميدانية متواصلة، وقرارات تستهدف إزالة العقبات أمام المستثمرين، وإعادة الانضباط إلى ملف الأراضي الصناعية، والعمل على إعادة تشغيل المصانع وتعميق التصنيع المحلي.
أحدث الرجل حالة من الزخم دفعت منصات التواصل الاجتماعي والمتابعين للملف الاقتصادي إلى عقد مقارنة مثيرة، بتشبيهه بالدكتور “عزيز صدقي”، أول وزير صناعة في مصر الحديثة، والملقب تاريخياً بـ “أبو الصناعة المصرية” الذي ارتبط اسمه ببناء القاعدة الإنتاجية الكبرى لمصر في ستينيات القرن الماضي.
ورغم أن المقارنة لا تزال مبكرة، فإنها تعكس حجم الآمال التي يعلقها كثيرون على عودة الصناعة إلى صدارة أولويات الدولة.
الأرض لمن ينتج.. لا لمن يحتفظ بها:
من أكثر الملفات التي شهدت تحركًا واضحًا خلال الفترة الماضية ملف الأراضي الصناعية.
فعلى مدار سنوات، اشتكى المستثمرون من وجود مساحات شاسعة من الأراضي الصناعية حصل عليها مستثمرون دون استغلال حقيقي، بينما كانت مصانع جادة تواجه صعوبة في الحصول على قطعة أرض لإقامة مشروع إنتاجي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، قادت وزارة الصناعة، بالتعاون مع هيئة التنمية الصناعية وجهات الولاية وقوات إنفاذ القانون، حملات مكثفة لسحب الأراضي من المستثمرين غير الجادين، في رسالة واضحة بأن الأرض الصناعية يجب أن تكون وسيلة للإنتاج وليست أصلًا للمضاربة أو التخزين.
ويرى البعض أن هذه الخطوة تمثل تحولًا في إدارة الملف، لأنها تعيد ضخ الأراضي المعطلة إلى السوق مرة أخرى لصالح مستثمرين قادرين على إقامة مصانع وتشغيل العمالة.
الرهان على المصنع الصغير:
لم تقتصر تحركات وزارة الصناعة على جذب الاستثمارات الكبرى، بل امتدت إلى دعم المصانع الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها تمثل القاعدة الأوسع للقطاع الصناعي.
وخلال لقاءاته المتكررة مع المستثمرين، حرص الوزير على الاستماع مباشرة إلى المشكلات المتعلقة بالتراخيص، وتخصيص الأراضي، وتوصيل المرافق، والتمويل، وسرعة إنهاء الإجراءات، في محاولة لتقليل الوقت والتكلفة أمام المستثمر.
وتتبنى الوزارة توجهًا يقوم على أن دورها لا يقتصر على إصدار التراخيص، وإنما العمل كشريك في إزالة العقبات التي تواجه المصنع حتى يبدأ الإنتاج.
من المكاتب إلى خطوط الإنتاج:
ربما يكون أكثر ما يميز أداء وزير الصناعة هو اعتماده على الجولات الميدانية.
فبدلاً من الاكتفاء بالاجتماعات الرسمية، أصبح وجود الوزير داخل المصانع ومواقع الإنتاج مشهدًا متكررًا، سواء في مصانع القطاع العام أو القطاع الخاص.
وخلال أيام قليلة فقط، تفقد عددًا من المصانع الاستراتيجية، كان آخرها منذ قليل شركة النصر للمسبوكات، التي تعد المصنع الوحيد في مصر القادر على إنتاج مواسير الزهر المرن بمختلف الأقطار، حيث تابع خطوط الإنتاج، واطلع على خطط التطوير، وأكد أهمية توطين الصناعات المغذية وتقليل الاعتماد على الواردات.
توطين الصناعات.. من الشعار إلى التنفيذ:
لا يقتصر الحديث داخل وزارة الصناعة على زيادة الإنتاج فقط، بل يمتد إلى تعميق التصنيع المحلي.
ولهذا تركز الوزارة على الصناعات المغذية التي تعتمد عليها قطاعات عديدة، مثل الصناعات الهندسية، ومكونات السكك الحديدية، والسبائك، والدرافيل، وغيرها من المنتجات التي كانت تعتمد مصر في جزء كبير منها على الاستيراد.
كما حددت الاستراتيجية الصناعية الشاملة برنامج عملها يشمل سبع صناعات ذات أولوية تشمل الملابس الجاهزة، المنسوجات، الصناعات الغذائية، الصناعات الدوائية، صناعة السيارات، وصناعة المعدات الكهربائية والهندسية والإلكترونيات.
ويستهدف هذا التوجه خفض فاتورة الواردات، وزيادة القيمة المضافة للصناعة المصرية، ورفع تنافسية المنتج المحلي في الأسواق الخارجية.
هل يعود «عزيز صدقي»؟
يبقى تشبيه المهندس خالد هاشم بالدكتور عزيز صدقي تعبيرًا عن تطلعات قطاع واسع من المتابعين أكثر منه حكمًا على التجربة.
فعزيز صدقي ارتبط اسمه ببناء القاعدة الصناعية المصرية في مرحلة تاريخية مختلفة، بينما يواجه وزير الصناعة الحالي تحديًا من نوع آخر، يتمثل في إعادة تشغيل المصانع، وتعظيم الاستفادة من الأصول الصناعية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعميق التصنيع المحلي، وتحويل الصناعة إلى قاطرة للنمو الاقتصادي.
تشبيه المهندس خالد هاشم بالدكتور عزيز صدقي ليس صك نجاح نهائي، بل هو “تفويض ثقة” طموح من الشارع والمستثمرين، وحكم التاريخ في النهاية لن يكتب بـ “عدد الجولات الميدانية” أو التصريحات الصحفية، بل ستكتبه الأرقام الصماء على أرض الواقع: كم مصنعاً فتحت أبوابه؟ كم شاباً وجد فرصة عمل مستدامة؟ وكم مليارًا دخل خزينة الدولة من الصادرات؟




